06/10 11:18
قال تعالي: {فَهَزَمُوهُمْ بِاِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَهَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْاَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَي الْعَالَمِينَ}.. [البقره : 251].
ان الحق يبلغنا انه قد نصر المؤمنين به. ويجيء الحق بكلمه {هَزَمُوهُمْ} وهي تدل علي فرار من كان يجب ان يكون مهاجما. والمحارب يجب ان يكون مهاجما كاراً دائما، فحين يلجا الي ان يفر، هنا نتوقف لنتبين امره، هل هذا الفِرار تحرفا لقتال وانعطافا وميلا الي موقف اخر هو اصلح للقتال فيه؟ لو كان الامر كذلك فلا تكون الهزيمه، لكن اذا كان الفِرار لغير كَرٍ ومخادعه للعدو بل كان للخوف هنا تكون الهزيمه.
وقول الله: {فَهَزَمُوهُمْ بِاِذْنِ الله} يدل علي ان جنود جالوت لم يُقتلوا كلهم، ولكن الذين قُتلوا هم ائمه الكفر فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ}. وجالوت هو زعيم جيش الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله. ولاول مره يظهر لنا اسم {دَاوُدَ} في هذه القصه الطويله، وهو اسم لم يكن عندنا فكره عنه من قبل، وستاتي الفكره عنه بعد هذه القصه في قوله تعالي: {وَلَقَدْ اتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجبال اَوِّبِي مَعَهُ والطير وَاَلَنَّا لَهُ الحديد اَنِ اعمل سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السرد واعملوا صَالِحاً اِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.. [سبا: 10-11].
اذن فبدايه داود جاءت من هذه المعركه بعد قتل جالوت، وكان {دَاوُدَ} اخاً لعشره وهو اصغرهم، وقال النبي للقوم: ان من يدخل المعركه ضد جالوت لابد ان ياتي درع موسي علي مقاسه، وهنا استعرض والد {دَاوُودَ} الدرع علي جميع ابنائه، فلم ياتي علي مقاس اي واحد منهم الا علي اصغرهم، وهو {دَاوُودَ}. جاء الدرع علي مقاسه، ودخل {دَاوُودَ} المعركه فقتل جالوت قائد المشركين، وشاءت حكمه الله ان يكون اصغر المؤمنين هو الذي يقتل كبير جيش المشركين.
كانت هذه المعركه بدايه تاريخ داود، وقد جاءت له هذه المعركه بالفتح العظيم، ثم انعم الله عليه بالملك والحكمه وجعل الجبال والطير تردد وترجع معه تسبيح الله وتنزيهه، كل ذلك نتيجه قتل جالوت. واحب داود الدرع وصار امله ان يعلمه الله صناعه الدروع، ولذلك لم يتخذ صنعه في حياته الا عمل الدروع. وجعل الله له الحديد ليناً ليصنع منه ما يشاء كما جاء في قوله تعالي: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَهَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَاْسِكُمْ}.. [الانبياء: 80].
وهذا دليل علي ان الانسان يحب الشيء الذي له صله برفعه شانه. ولقد كان قتل جالوت هو البدايه لداود. {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَاتَاهُ الله الملك والحكمه وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَي العالمين} ان الحق ياتي هنا بقضيه كونيه في الوجود، وهي ان الحرب ضروره اجتماعيه، وان الحق يدفع الناس بالناس. وانه لولا وجود قوه امام قوه لفسد العالم؛ فلو سيطرت قوه واحده في الكون لفسد.
فالذي يعمر الكون هو ان توجد فيه قوي متكافئه؛ قوه تقابلها قوه اخري. ولذلك نجد العالم دائما محروسا بالقوتين العظميين، ولو كانت قوه واحده لعم الضلال. ولو تاملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائيه في القوي تحفظ الاستقرار في العالم.
في بدايه الاسلام كانت الدولتان العظميان هما الفرس في الشرق، والروم في الغرب. والان سقطت قوه روسيا من كفه ميزان العالم، وتتسابق المانيا واليابان ليوازنا قوه امريكا.
ان قول الله تعالي: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض} جاء تعقيبا علي قصه الصراع بين بني اسرائيل وبين اعدائهم الذين اخرجوهم من ديارهم وعندما نتامل هذه القصه من بدايتها نجد انهم طلبوا اولا من الله الاذن بالقتال. وبعث الله لهم ملكا ليقاتلوا تحت رايته؛ وكانت علامه هذا الملك في الصدق ان ياتي الله بالتابوت. ثم جاءت قضيه اجتماعيه ينتهي اليها الناس عاده بحكيم الراي ولو بدون الوحي، وهي ان الانسان اذا ما اقبل علي امر يجب ان يعد له اعداداً بالاسباب البشريه، حتي اذا ما استوفي اعداده كل الاسباب لجا الي معونه الله، لان الاسباب كما قلنا هي من يد الله، فلا ترد انت يد الله باسبابها، لتطلب معونه الله بذاته، بل خذ الاسباب اولا لانها من يد ربك.
ويعلمنا الحق ايضا ان من الاسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصا يبين لنا قوه ثباتهم في الاختبار الايماني؛ لان الانسان قد يقول قولاً بلسانه؛ ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بالا يوفي، وقد نجح قله من القوم في الابتلاءات المتعدده. وفعلا دارت المعركه؛ وهزم هؤلاء المؤمنون اعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت.
اذن فتلك قضيه دفع الله فيها اناسا باناس، ويطلقها الحق سبحانه قضيه عامه {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض}، فالدفع هو الرد عن المراد، فاذا كان المراد للناس ان يوجد شر، فان الله يدفعه. اذن فالله يدفع ولكن بايدي خلقه، كما قال سبحانه: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِاَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}.. [التوبه : 14].
انه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بايدي المؤمنين. وعندما نتامل القول الحكيم: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض} فاننا نجد مقدمه سابقه تمهد لهذا القول، لقد اُخرجوا من ديارهم وابنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد ايه اخري ايضا تقول: {الذين اُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ اِلاَّ اَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ اِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.. [الحج : 40].
والسياق مختلف في الايتين، السياق الذي ياتي في سورة البقرة عن اناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي ياتي في سوره الحج عن اناس مؤمنين برسول الله صلي الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكه لينضموا الي اخوتهم المؤمنين في دار الايمان ليعيدوا الكره، ويدخلوا مكه فاتحين.
صحيح اننا نجد وحده جامعه بين الايتين. وهو الخروج من الديار. اذن فمره يكون الدفاع بان تَفِرَّ لَتِكِرّ.. اي ان تخرج من ديار الكفر مهاجراً لتجمع امر نفسك انت ومن معك وتعود الي بلدك مقاتلاً فاتحاً، ومره يكون الدفاع بان تقاتل بالفعل، فالايه التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد انهم قاتلوا بالفعل، والايه الثانيه تفيد انهم خرجوا من مكه ليرجعوا اليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لان المسلمين الاوائل لو مكثوا في مكه فربما افناهم خصومهم فلا يبقي للاسلام خميره، فذهبوا الي المدينه وكوّنوا الدوله الاسلاميه ثم عادوا منتصرين فاتحين: {اِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح}.. [النصر : 1].
ان السياق في الايتين واحد ولكن النتيجه تختلف، هنا يقول الحق: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض} لماذا تفسد الارض؟ لان معني دفع الله الناس بعضهم ببعض ان هناك اناساً الفوا الفساد، ويقابلهم اناس خرجوا علي من الف الفساد ليردوهم الي الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالي في الايه الثانيه السبب فيقول: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً}.. [الحج : 40].
والصوامع هي ما يقابل الان الدير للنصاري وكانوا يتعبدون لله فيها، لان فيه متعبداً عَمِلَ بالتكليف العام؛ ومتعبداً اخر قد الزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقه يجلسون في اماكن بعيده عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الان. والمعني العام في التعبد للنصاري هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبيع، والمعني الخاص هو التعبد في الصوامع.
اذن {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} هذه لخاصه المتدينين، وكنائس او بيع لعامه المتدينين. وقول الحق: {وَصَلَوَاتٌ}، من صالوت، وهي مكان العباده لليهود، و{وَمَسَاجِدُ} وهي مساجد المسلمين.
ان قوله تعالي: {لَفَسَدَتِ الارض} في هذه الايه، وقوله تعالي هناك {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} اي انه ستفسد الارض اذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لانها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الاماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فان هدمت.. يكون الناس علي غير ذكر لربهم وتفتنهم اسباب الدنيا.
فالاديره والكنائس والصوامع حين كانت والمساجد الان هي حارسه القيم في الوجود، لانها تذكرك دائما بالعبوديه وتمنع عنك الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهي الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات في اليوم والليله؛ فان كان عند العبد شيء من الغرور لابد ان يذوب، ويعرف العبد ان الكون كله فضل من الله علي العباد؛ فلا يدخلك ايها المسلم شيء من الغرور.
فاذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت اسباب الله في مطلوبات الله. اما ان تاخذ انت اسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحه منك. فاذا كان الله قد اقدر يدك علي الحركه فلماذا تعصي الله بها وتضرب بها الناس؟ والله اقدر لسانك علي الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمه؟ ان الله قد اعطاك النعمه فلا تستعملها في المعصيه.
قال الله تعالي في هذه الايه: {لَفَسَدَتِ الارض} وشرح ذلك في قوله تعالي: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً} فهذه الاماكن هي التي تبقي اصول القيم في التدين. (واصول القيم في التدين) غير (كل القيم في التدين)، ولذلك نحن قلنا: ان الحق سبحانه وتعالي جعل للاسلام خمسه اركان، وهي التي بني عليها الاسلام. ولابد ان نقيم بنيان الاسلام علي هذه الاركان الخمسه، فلا تقل: ان الاسلام هو هذه الاركان الخمسه، لا؛ لان الاسلام مبني عليها فقط فهي الاعمده او الاسس التي بني عليها الاسلام. فانت حين تضع اساسا لمنزل وتقيم الاعمده فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد ان تقيم بقيه البنيان، اذن فالاسلام مبني علي هذه الاسس.
والحق سبحانه وتعالي يوضح ذلك فيامر بالمحافظه علي اماكن هذه القيم؛ لان المساجد ونحن نتكلم بالعرف الاسلامي هي ملتقي فيوضات الحق النورانيه علي خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب الي المسجد. اذن لكيلا تفسد الارض لابد ان توجد اماكن العباده هذه، فمره جاء الحق بالنتيجه ومره جاء بالسبب.
ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لان هناك اناساً يريدون الشر واناساً يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، واذا وقعت المعركه بهذا الوصف فان يد الله لا تتخلي عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ اِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.. [الحج : 40].
اي ان المعركه لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: ان المعارك التي نراها في الكون لا نجد فيها معركه بين حقين؛ لانه لا يوجد في الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن احد: انه علي حق وخصمه علي حق. لا، ان هناك حقاً واحداً فقط.
والمعركه ان وجدت توجد بين حق وباطل، او بين باطل وباطل. والمعركه بين الحق والباطل لا تطول؛ لان الباطل زهوق. والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس احدهما اولي بان ينصره الله. فهذا علي فساد وذاك علي فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ينتهيان. وياتي من بعد ذلك اناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون.
والمعارك التي تدور في اي مكان تجد ان هذا الطرف له هوي والاخر له هويً مختلف.
ولا يقف الله في اي جانب منهما؛ لانه ليس هناك جانب احمق بالله من الاخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، ومادام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلابد ان تطول المعركه. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. وكذلك نري في معارك العصر الحديث ان المعركه تطول وتطول؛ لاننا لا نجد القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه: {وَاِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَاَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَاِن بَغَتْ اِحْدَاهُمَا علي الاخري فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتي تفياء الي اَمْرِ الله فَاِن فَاءَتْ فَاَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل واقسطوا اِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين}.. [الحجرات : 9].
ان الحق سبحانه وتعالي يامر عند اقتتال طائفتين من المؤمنين ان يصلح بينهما قوم مؤمنون، فان تعدت احداهما علي الاخري، ورفضت الصلح فالحق يامر المؤمنين بان يقاتلوا الفئه التي تتعدي الي ان ترجع الي حكم الله، فان رجعت الي حكم الله فالاصلاح بين الفئتين يكون بالانصاف؛ لان الله يحب العادلين المنصفين.
ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل؛ لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد اهواءً تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفه التي تناسب هواه.
وهذه هي الخيبه في الكون المعاصر؛ ان المعارك تطول لانه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، لما حدثت الحرب. وماداموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض ان تتدخل الفئه القادره علي الاصلاح، ولكن حتي هؤلاء لم يدخلوا للاصلاح، وهذا معناه ان الخيبه في العالم كله. وسيظل العالم في خيبه الي ان يرعووا ويرتدعوا. انهم يطيلون علي انفسهم امد التجربه وسيظلون في هذه الخيبه حتي يفطنوا الي انه لا سبيل الي ان تنتهي هذه المشاكل الا ان يرجعوا جميعاً عن اهوائهم الي مراد خالقهم.
{وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض}، نعم تفسد الارض فيما جعل الله للانسان يداً فيه، اما الشيء الذي لم يجعل الله للانسان يداً فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها احد، فلا احد يؤثر في الشمس او القمر او الهواء او المطر، انما الفساد جاء فيما للانسان فيه يد.
انظر الي الكون، انك تجد المسائل التي لا دخل للانسان فيها مستقيمه علي احسن ما يكون، وانما ياتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الانسان بغير منهج الله. ولو ان الانسان دخل فيها بمنهج الله لاستقامت الامور كما استقامت النواميس العليا تماما.
في سوره الرحمن قوله تعالي: {والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان}.. [الرحمن : 7].
ومادام الحق قد رفع السماء ووضع الميزان، فالسماء لا تقع علي الارض والنظام محكم تماما، الشمس تطلع من الشرق وتغرب في الغرب، والقمر والنجوم تسير في منتهي الدقه والابداع، لانه لا دخل لاحد من البشر فيه.
فان اردتم ان تصلح حياتكم، وان تستقيم اموركم كما استقامت هندسه السماء والارض فخذوا الميزان من السماء في اعمالكم، واتبعوا القول الحق: {والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان اَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَاَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان}.. [الرحمن : 7-9].
ومادمتم قد رايتم ان الامور الموجوده التي تسير بنظام لا تتحكمون فيه تعمل باستقامه وترون ان الفساد قد جاء من ناحيه الامور التي دخلتم فيها، فلماذا لا نتبع منهج الله في الامور التي لنا دخل فيها؟ انك ان عملت في الحياه بمنهج الله الذي خلق الحياه فان امورك تستقيم لك كما استقامت الامور العليا في الكون. واحفظ جيداً قوله تعالي: {والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان اَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان}.. [الرحمن : 7-8].