سعيد بن عامر الصحابى الذى تفرُّ منه الشياطين

08/28 17:22

سعيد بن عامر -رضي الله عنه-، احد كبار الصحابه، اسلم قبل فتح خيبر، ولازم رسول الله في جميع غزواته، وكان تقيًّا ورعًا زاهدًا، فذات يوم اخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يبحث عن صحابي يوليه علي الشام، وكانت الشام في ذلك الحين بلدًا كبيرًا، ومركزًا هامًا للتجاره، ودار اغراء لكثره ثرواتها، ولا يصح لها في نظر عمر الا زاهد تفر امام زهده كل شياطين الاغراء.

وبعد قليل صاح عمر قائلاً: ائتوني بسعيد بن عامر، فجاء سعيد الي امير المؤمنين، فعرض عليه ولايه حمص، فاعتذر سعيد قائلاً: لا تفتني يا امير المؤمنين، ولكن عمر اصر علي رايه وقال: والله لا ادعك، اتضعون امانتكم وخلافتكم في عنقي، ثم تتركونني. فوافق سعيد سمعًا وطاعه لامير المؤمنين، وخرج الي حمص ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وزوده عمر بقدر من المال.

ولما وصلا الي حمص ارادت زوجته ان تستفيد من المال الذي اعطاه عمر لهما، فاشارت علي زوجها سعيد ان يشتري لها ما يلزمها من الثياب والمتاع، ثم يدخر الباقي، فقال لها سعيد: الا ادلك علي خير من هذا؟ نحن في بلاد تجارتها رابحه، وسوقها رائجه، فلنعط هذا المال لمن يتاجر لنا فيه ويزيده. فقالت: فان خسرت تجارته؟ قال سعيد: ساجعل ضمانها عليه، فقالت: نعم، وخرج سعيد فاشتري بعض ضرورات حياته، ثم تصدق بجميع ماله علي الفقراء والمحتاجين، وكانت زوجته كلما سالته عن التجاره، يقول لها: انها تجاره موفقه، وان الارباح تزيد كل يوم.

وذات يوم اعادت سؤالها عليه امام قريب لهما يعرف حقيقه الامر، ويعلم ما صنعه سعيد، فضحك ضحكه فهمت منها الزوجه شيئًا، فالحت عليه ان يصارحها بالحقيقه، فقال لها: انه تصدق بالمال كله في ذلك اليوم البعيد، فبكت زوجته، وحزنت علي المال الذي لم تنتفع منه بشيء.

فنظر اليها سعيد، وقال: لقد كان لي اصحاب سبقوني الي الله، وما احب ان انحرف عن طريقهم، ولو كانت لي الدنيا بما فيها. ثم قال: تعلمين ان في الجنه من الحور العين، والخيرات الحسان، ما لو اطلت واحده منهن علي الارض لاضاءتها جميعًا، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معًا، فلان اضحي بك من اجلهن احري واولي من ان اضحي بهن من اجلك. فاقتنعت زوجته، وعلمت ان ما فعله زوجها هو الصواب.

وكان اهل الشام يحبون سعيد بن عامر حبًّا شديدًا، ويفرحون بامارته وولايته عليهم، حتي ان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال له يومًا: ان اهل الشام يحبونك، فقال له سعيد: لاني اعاونهم، واواسيهم. وحدث ان اشتكاه بعضهم لامير المؤمنين عمر؛ فعندما سالهم عمر قائلا: ما تقولون في سعيد؟ فقال بعضهم: نشكو منه اربعًا لا يخرج الينا حتي يتعالي النهار، ولا يجيب احدًا بليل، وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما الينا ولا نراه، واخري لا حيله له فيها ولكنها تضايقنا، وهي انه تاخذه الغشيه (الاغماء) بين الحين والحين، فقال عمر في نفسه: اللهم اني اعرفه من خير عبادك، اللهم لا تخيب فيه فراستي، ثم دعا عمر سعيدًا ليدافع عن نفسه.

فقال سعيد: اما قولهم اني لا اخرج اليهم حتي يتعالي النهار، فوالله لقد كنت اكره ذكر السبب، انه ليس لاهلي خادم، فانا اعجن عجيني، ثم ادعه (اتركه) حتي يختمر، ثم اخبز خبزي، ثم اتوضا للضحي، ثم اخرج اليهم. اما قولهم: لا اجيب احدًا بليل، فوالله لقد كنت اكره ذكر السبب، اني جعلت النهار لهم، والليل لربي.

واما قولهم: ان لي يومين في الشهر لا اخرج فيهما، فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس لي ثياب ابدلها، فانا اغسل ثوبي، ثم انتظر حتي يجف، ثم في اخر النهار اخرج اليهم.

واما قولهم: ان الغشيه تاخذني بين الحين والحين، فقد شهدت خبيب بن عدي حين صلب بمكه، وهم يقولون له: اتحب ان محمدًا مكانك، وانت سليم معافي؟ فيجيبهم قائلاً: والله ما احب اني في اهلي وولدي، معي عافيه الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكه، ثم دعا عليهم قائلاً: اللهم احصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم احدًا، فكلما تذكرت ذلك المشهد الذي رايته، وانا يومئذ من المشركين، ارتجف من عذاب الله، ويغشاني الذي يغشاني. ففرح عمر لما سمع هذا، وقام يعانق سعيدًا ويقبل جبهته ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب فراستي.

وكان سعيد -رضي الله عنه- يتصدق براتبه علي الفقراء والمحتاجين، ولقد قيل له يومًا: توسع بهذا الفائض علي اهلك واصهارك. فقال: ولماذا اهلي واصهاري؟ لا والله، ما انا ببائع رضا الله بقرابه، ما انا بالمتخلف عن الرعيل الاول (اوائل الصحابه).

You Might Also Like