صدر مؤخراً رواية "جنوب الحدود، غرب الشمس" للروائي الياباني هاروكي موراكامي الصادرة أخيراً بترجمة صلاح صلاح عن المركز الثقافي العربي (بيروت، الدار البيضاء - 2007) .
عنوان الرواية "جنوب الحدود، غرب الشمس" هو عبارة عن توليفة ابتدعها خيال الروائي، ليختزل، بهذه الاستعارة الذكية، وفق " دار الحياة" اللندنية ، مزاج بطل روايته، ومخاوفه ورغباته وآماله، "جنوب الحدود" هو عنوان أغنية لنات كينج كول، بينما "غرب الشمس" هو اسم لمرض هستيري يعاني منه الفلاحون في سيبيريا.
"فلاح وحيد في تندرا سيبيريا يحرث الأرض كل يوم ولا يرى شيئاً على مد البصر سوى الشمس والأفق الممتد بلا نهاية محيطاً به من الجهات الأربع ، يلقي بمحراثه ذات يوم، ويبدأ بالسير نحو ارض تمتد غرب الشمس، من دون طعام أو شراب، حتى ينهار على الأرض ويموت ، تلك هي هستيريا سيبيريا".
هاجيمي، بطل رواية موراكامي حسبما ذكرت "الحياة" يعاني من هذه الهستيريا، لكن بطريقة مختلفة ، فهو يكره الملل، ويبحث عما يعطي لحياته معنى أعمق ، وهو يحلم، أيضاً، باكتشاف ما وراء " جنوب الحدود"، هذه الأغنية التي كان يعشقها منذ الصغر بقيت معلقة في ذاكرته كتعويذة غامضة، تولد لديه الفضول، وتدفعه نحو حل اللغز الموجود "جنوب الحدود" .
والمقصود بـ «جنوب الحدود» في الأغنية هو «المكسيك» ، لكن التأويل لدى البطل كناية عن الرغبة والأمل والطموح «كنت مقتنعا بأن شيئاً رائعاً يكمن جنوب الحدود».
الروائي موراكامي الذي تتصدر رواياته قوائم الروايات الأكثر مبيعاً في العالم، يتناول في هذا العمل سيرة فرد ياباني مذ كان طفلا إًلى أن يبلغ الأربعين ، هذا الفرد - بطل الرواية، هو هاجيمي الذي يسرد حكايته بضمير المتكلم وبصيغة الماضي.
بطل الرواية ، وفق زينب عساف بجريدة "النهار" اللبنانية ، شخص عادي، أي في اليابانية: ناجح، يمكن أن نصادفه كل يوم في الشارع من دون أن ننتبه، أو نشاهده قرب إشارة مرور فنُعجب بسيارته الحديثة، أو نرى صورته مع زوجته وابنتيه فنقول: يا للعائلة المثالية. شخص يشبه اليابان التي طوّرت نظام حياة "عمودياً" حديثاً، آمناً ولطيفاً، على أرض تهزّها الزلازل بشكل دائم وتتربّص بها الثورات البركانية.
يقول هاجيمي بطل الرواية : " كان مصطلح "طفل وحيد" يشير لي بإصبع اتهام ويقول لي: "ثمة شيء ينقصك يا رفيق". في العالم الذي كنت أعيش فيه، كان من المعروف أن الأطفال الوحيدين مدلّعون من والديهم، ضعفاء وأنانيون (...) وإن كان ما يؤلمني ويحبطني أكثر من أي شيء آخر: حقيقة أن كل ما يفكّرون فيه بي كان صحيحاً".
ويقول : " "لم أجذب دوماً لجمال خارجي قابل للقياس، بل لشيء أعمق، شيء مطلق. ومثلما يملك بعض الناس حباً خفياً للعواصف الماطرة والهزات الأرضية أو انقطاع النور الكهربائي، أحببت ذاك الشيء غير المحدد والموجّه لي من قبل الجنس الآخر".
ووفق زينب عساف أيضا : " ربما من الواجب أن نشير إلى ما يكشفه موراكامي من خصوصيات مجتمع ياباني يعيش انفصاماً غير حاد بين تقاليده المحافظة وأسلوب الحياة الغربي المنفتح. السؤال هنا، كما هو بالنسبة الى البطل هاجيمي، سؤال الأنا والآخر. لكن يبدو أن الآخر يحقق نقاطاً على صعيد اليابان ككل، فالأمركة لم تعد مستوردة ومكروهة، بل دخلت في النسيج الاجتماعي الذي أعاد صهرها وتطويرها بما يناسب احتياجاته".