09/01 18:18
قال تعالي: {قُلْ اَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَاِنْ تَوَلَّوْا فَاِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}.. [ال عمران : 32].
وقد قلت من قبل في مساله الامر بالطاعه، انها جاءت في القرأن الكريم علي ثلاثه الوان: فمره يقول الحق: {اَطِيعُواْ الله والرسول}. كما جاء بهذه الايه التي نحن بصدد تناولها بخواطرنا الايمانيه. ونلاحظ هنا ان الحق سبحانه لم يكرر امر الطاعه، بل جعل الامر واحدا، هو (اطيعوا)، فاذا سالنا من المطاع؟ تكون الاجابه. الله والرسول معا.
اذن فقول الرسول صلي الله عليه وسلم بلاغا عن الله {فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله} يعني ان طاعه المؤمنين للرسول من طاعه الله. ان الرسول صلي الله عليه وسلم لم يامرنا بطاعته، ولكنه يامرنا بطاعه الله، ولذلك لم يكرر الحق امر الطاعه، انّ الحق هنا يوحد امر الطاعه فيجعلها لله وللرسول معا، انه يعطف علي المطاع الاول وهو الله بمطاع ثانٍ هو الرسول صلي الله عليه وسلم. ويقول الحق في كتابه العزيز: {قُلْ اَطِيعُواْ الله وَاَطِيعُواْ الرسول فَاِن تَوَلَّوْاْ فَاِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَاِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَي الرسول اِلاَّ البلاغ المبين}.. [النور: 54].
ان الحق يورد امر الطاعه ثلاث مرات، فمره يكون امر الطاعه لله، ومره ثانيه يكون امر الطاعه للرسول صلي الله عليه وسلم، ومره ثالثه يقول الحق: {يَا اَيُّهَا الذين امَنُواْ اَطِيعُواْ الله وَاَطِيعُواْ الرسول وَاُوْلِي الامر مِنْكُمْ فَاِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ اِلَي الله والرسول اِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ذلك خَيْرٌ وَاَحْسَنُ تَاْوِيلاً}.. [النساء: 59].
فما مساله هذه الاوامر بالطاعه؟ انها طاعه بالوان التكليف وانواعها، ان الاحكام المطلوب من المؤمنين ان يطيعوا فيها، مره يكون الامر من الله قد جاء بها وان يكون الرسول قد اكدها بقوله وسلوكه، ان المؤمن حين يطيع في هذا الامر الواحد، فهو يطيع الله والرسول معاً، ومره ياتي حكم من الله اجمالا، وياتي الرسول ليفصله. {وَاَقِيمُواْ الصلاه وَاتُواْ الزكاه وَاَطِيعُواْ الرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.. [النور: 56].
ان الواحد منا لم يكن يعرف كم صلاه في اليوم، ولا عدد الركعات في كل صلاه، ولا نعرف كيفيتها لكن الرسول صلي الله عليه وسلم قد فصل لنا الامر في كل صلاه، اذن، فالمؤمن يطيع الله في الاجمال، ويطيع الرسول في التفصيل. ان علينا ان نلتفت الي ان هنا طاعتين: (الاولي: طاعه الله ، والثانيه: طاعه الرسول)
اما في الامر المتحد، فتكون الطاعه لله والرسول؛ لانه امر واحد. واما الامر الذي جاء من الله فيه تكليف اجمالي فقد ترك الله للرسول صلي الله عليه وسلم بيانه، فالمؤمن يطيع الله في الامر الاجمالي كامر الصلاه، واقامتها، ويطيع الرسول في تفصيل امر الصلاه؛ وكيفيتها، واحيانا يجيء الحكم بالتفويض الاعلي من الله للرسول، فيقول الله لرسوله ما معناه انك انت الذي تقرر في هذه الامور، كما قإل آلحق: {وَمَا اتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا}.. [الحشر: 7].
لقد ترك الحق سبحانه للرسول ان يصدر التشريعات اللازمه (لاستقامه حياه المؤمنين) لقد اعطاه الحق سبحانه التفويض العام، وما دام سبحانه قد اعطي الرسول صلي الله عليه وسلم التفويض العام فان طاعه المؤمن تكون للرسول فيما يقوله الرسول وان لم يقل الله به. اننا علي سبيل المثال لا نجد في القران دليلا علي ان صلاه الفجر ركعتان، لكن الرسول صلي الله عليه وسلم هو الذي فصل لنا الصلاه فعرفنا ان الفجر ركعتان، والظهر اربع ركعات، والعصر مثل الظهر، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء اربع ركعات. ان الدليل هو تفصيل الرسول، وقول الحق: {وَمَا اتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا}.. [الحشر: 7].
انه دليل من القران الكريم. هكذا نعرف ان الامر بالطاعه جاء بالقران علي الوان ثلاثه:
- اللون الاول: ان اتحد المطاع (الله والرسول) ان عطف الرسول هنا يكون علي لفظ الجلاله الاعلي.
- اللون الثاني: هو طاعه الله في الامر الاجمالي وطاعه الرسول في تفصيل هذا الامر، فان الحق يقول {اَطِيعُواْ الله وَاَطِيعُواْ الرسول}.
- اللون الثالث: وهو الذي لم يكن لله فيه حكم، ولكنه بالتفويض العام للرسول، بحكم قوله الحق: {وَمَا اتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} هذه طاعه للرسول، ثم ياتي في امر طاعه أولي الأمر فيقول الحق: {يَا اَيُّهَا الذين امَنُواْ اَطِيعُواْ الله وَاَطِيعُواْ الرسول وَاُوْلِي الامر مِنْكُمْ فَاِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ اِلَي الله والرسول اِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ذلك خَيْرٌ وَاَحْسَنُ تَاْوِيلاً}.. [النساء: 59].
ان الحق لم يورد طاعه اولي الامر مندمجه في طاعه الله والرسول، لتكون طاعه واحده. لا. ان الحق اورد طاعه اولي الامر في الايه التي يفرق فيها بين طاعه الله وطاعه الرسول، ثم من بطن طاعه الرسول تكون طاعه اولي الامر. لماذا؟ لانه لا توجد طاعه ذاتيه لاولي الامر؛ لان الرسول صلي الله عليه وسلم له لطاعه الذاتيه. اما طاعه اولي الامر فهي مستمده من طاعه اولي الامر لله ورسوله، ولا طاعه لاولي الامر فيما لم يكن فيه طاعه لله وللرسول صلي الله عليه وسلم.
ان الحق يقول: {قُلْ اَطِيعُواْ الله والرسول فاِن تَوَلَّوْاْ فَاِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين}. ان الله يبلغ الرسول ان يبلغ هؤلاء الذين قالوا: انهم يحبون الله، بالشروط التي يمكن ان يبادل بها الحق عباده الحب، وذلك حتي تتحقق الفائده للبشر، لان محبه الله تفوق ما يقدمه البشر من حب. ان اتباع الرسول وتنفيذ التكليف بالطاعه لله والرسول.
ذلك هو اسلوب تعبير العباد عن حبهم لله وللرسول صلي الله عليه وسلم، اما ان تولوا، اي لم يستمعوا اليك يا محمد، ولم يتبعوك، فان موقفهم- والعياذ بالله- ينتقل الي الكفر؛ لان الحق يقول عن الذين يتولون عن الله والرسول: {فاِن تَوَلَّوْاْ فَاِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين}.
وليس هناك تفظيع اكثر من هذا.
ان كلمه (تولوا) توحي بان الذين استمعوا الي اوامر الحق قد نفروا واعرضوا، فهم لم ياخذوا حكم الله، ثم منعهم الكسل من تنفيذه. لا. انهم اعرضوا عن حكم الله- والعياذ بالله- ولذلك فقد قلت وما زلت اقول: فليحذر الذين يخالفون عن اوامر الله الا يفرقوا بين امر متقبل علي انه الحكم الحق وبين حمل النفس علي اتباع الحكم وتنفيذه.
اياك ايها المسلم ان تنكر حكما لا تستطيع ان تحمل نفسك عليه او لا تقدر عليه. انك ان انكرت تنقل نفسك من دائره الاسلام الي دائره الكفر والعياذ بالله. ولكن عليك ان تؤمن بالحكم، وقل: (انه حكم الله وهو صواب ولكني لا استطيع ان اقدر علي نفسي) ان ذلك يجعل عدم تنفيذ الحكم معصيه فقط.
وياتي الحق سبحانه بعد ان بيّن لنا اصول العقائد في قوله: {شَهِدَ الله اَنَّهُ لاَ اله اِلاَّ هُوَ والملائكه وَاُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط لاَ اله اِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم}.. [ال عمران: 18].
وبعد ان بشر الحق المؤمنين بانه سبحانه وتعالي يعطيهم الملك الايماني وانه الاله القادر، وطلاقه قدرته تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وبعد ان رسم سبحانه طريق محبته، فان كنتم قد احببتم الله للايجاد والامداد، وتريدون ان يحبكم فعليكم بطاعه الله والرسول صلي الله عليه وسلم في تنفيذ التكاليف.