مفارقات السفر عبر الزمن في أفلام السينما

02/23 22:18

غالبا ما تُطرح فكره السفر عبر الزمن في الأفلام السينمائية، لكن للاسف، لم ينسجم العلم مطلقا مع مثل ذلك النوع من الخيال.

يعد فيلم "القدر" الذي ظهر في دور السينما البريطانيه في 13 فبراير/شباط الجاري، هو الاحدث في سلسلة أفلام السفر الي الماضي ذات التاريخ الطويل. فقد ظهر منها اكثر من 100 فيلم منذ ان ظهر ذلك النوع من الافلام مثل "تيرمينيتور"، و"العوده الي المستقبل"، قبل نحو 30 عاما، والتي تقوم كلها علي الخيال العلمي الذي لا يتوافق مع الحقائق العلميه الا قليلا.

وكغيره من هذه الافلام، يتضمن فيلم "القدر" لمسته الخاصه، حيث يستخدم المخرج ايثان هاوك عامل الزمن للعوده الي الماضي لمعرفه الجرائم قبل ان ترتكب ومحاوله منعها. وكبقيه هذا النوع من الافلام، يعد التسلسل الزمني في هذا الفيلم غير منطقي: ففي جزء من الثانيه يظهر في الفيلم شخص ما يتلاعب بالزمن الذي يحدد مصيرك- او قدرك كما يمكننا القول- ليتخلي عن العلم ويدخل في حاله من الجنون الزمني.

وبسرعه تصبح الاشياء محيره للعقل. فيمكنك مثلا ان تفكر في هذه النقطه: اذا اخترع احدهم اله للزمن، فما الذي يمنعه من العوده الي الوراء لمده دقيقه واحده فقط ليحطم هذه الاله قبل ان يستخدمها لاول مره؟ وهو ما يعني انها لن تستخدم ابداً. وكيف اذن تحطمت هذه الاله؟

الذي يمنع كل هذه المفارقات التي يظهرها السفر الي الماضي، مثل ان تقتل هتلر قبل ان يبدا الحرب العالميه الثانيه مثلا، هو انها تغفل قوانين الفيزياء بشكل كبير، والكون كما نعلم يسير وفق قواعد علميه محدده.

احد القوانين الرئيسيه التي تظهر ليس فقط الفيزياء ولكن كل مظهر من مظاهر الوجود هو قانون السبب والاثر. تغيير الماضي ينتهك هذه القاعده، فافعالك تؤثر علي ما دعاك الي العوده للماضي في الاساس، لذلك ان تمكنت فعلا من قتل هتلر فلن يكون باستطاعته ان يرتكب ما دعاك للعوده الي الماضي وقتله.

هذا لن يوقف منتجي الافلام عن مواصله الشغف بقصه السفر عبر التاريخ. بالنسبه لهوليوود، التصفيق والمؤثرات الخاصه اهم من قانون السبب والاثر. والسفر عبر الوقت يوفر فرصاً لا حصر لها لتعزيز الخيال الي اقصي مدي. وهكذا تضمنت الات الوقت في الافلام نقطه للشرطه مثلا، (مثلما حدث في مسلسل دكتور هو)، وتليفون عمومي، وسياره سبورت من نوع دي لورين، كما ظهرت في فيلم (العوده الي المستقبل).

علي عكس بقيه افلام الخيال العلمي، مثل اجهزه الروبوت الاكثر ذكاء من الانسان، او السفر للفضاء لمواجهه مخلوقات فضائيه غريبه، ستبقي افلام العوده الي الماضي مرفوضه علمياً الي الابد.

يعتقد ستيفن هوكينغ، وهو واحد من بين العديد من العلماء الذين يحظون باحترام كبير، ان الكون الذي نعيش فيه مليء بما يعرف بـ "الثقوب الدوديه"، والتي تمثل بفاعليه طرقا مختصره للزمن والفضاء.

وبينما يتطابق ذلك بشكل كامل مع نظريه انشتاين النسبيه ومع بقيه الافكار الرئيسيه عن حقيقه الكون، تفتح مثل هذه الثقوب المجال واسعاً امام احتمال السفر في حدود الزمن، بمعني الدخول من طرف احد هذه الثقوب ثم الخروج قبل ذلك بايام وشهور وربما قرون، كما انها تربط بشكل فوري بين اطراف الكون المتباعده، مما يعني امكانيه السفر بسرعه تفوق سرعه الضوء.

لا غرابه اذن في ان فكره الثقوب الدوديه قد استعارتها بعض مسلسلات وافلام الخيال العلمي (مثل ستار تريك، وستارغيت، و افينجرز، وانترستيلر).

لكن لا بد من التحذير قبل ان يحاول احد الانطلاق بسفينه فضاء نحو اقرب ثقب دودي. فقد تكون الثقوب حقيقيه، وشائعه، ويمكنها جسر الهوه بين الزمان والمكان، لكن وجود هذه الثقوب شيء، واستعمالها شيء اخر. فحتي هوكينغ الذي قال انه مهووس بمساله السفر عبر الزمن وانه يريد الاقتناع بان السفر عبر الزمن مساله ممكنه، اشار الي ان تلك الثقوب يعتقد انها توجد في صوره تعرف علميا باسم "الرغوه الكميه" وهي اصغر حتي من حجم الذرات نفسها، وهذا معناه ان المسافات بينها لا تتسع لمرور سفينه فضاء، ولا حتي للمثل ارنولد شوازنيغر، او مايكل جي فوكس.

هناك من يجادل بانه في وجود تقنيه كافيه، وفيزيائيين اكفاء يمكننا في النهايه تطوير وسيله للتغلب علي هذه الثقوب متناهيه الصغر، ومن ثم تكبير حجمها مليارات المرات ليمكننا الذهاب متي واينما نشاء. هذا الامر خيالي الي حد مبالغ فيه حتي الان، لكن مجرد افتراض ان هذه الثقوب التي يمكن السفر عبرها يمكن بناؤها فعلاً في يوم من الايام، هو في حد ذاته مفارقه محظوره اخري.

في قصه قصيره، كتبها راي برادبري في بدايه الخمسينيات بعنوان "صوت الرعد" ورد ان المسافرين عبر الزمن في فتره ما قبل تاريخ الارض بقوا في ممر معلق للتقليل من فرصه وقوع اي اتصال بالماضي. وفجاه سقط احدهم فسحق احدي الفراشات تحت قدميه بدون قصد. وعندما عادوا الي زمنهم، وجدوا كل شيء قد تغير، بدايه من طريقه نطق الكلام، الي نتائج الانتخابات، فقد ساهموا في خلق واقع مختلف تماما.

كانت قصه برادبري اول تجسيد لنظريه "تاثير الفراشه" التي كثيرا ما اثارت جدلا كبيرا: اذ تكمن الفكره ببساطه في ان احداث تاثير صغير جدا يمكن ان يتسبب في تغييرات هائله وغير متوقعه في وقت لاحق من الزمن.

وهذه عقبه حقيقيه في طريق العوده للسفر عبر الزمن. واذا تمكن احد من التغلب علي التحدي الهائل الكامن في طريقه القيام بذلك، فسوف يظل يواجه التحدي الموازي الاكبر المتمثل في كيفيه منع وقوع اي مخاطره بالتاثير علي الماضي. فربما لو غيرت شيئاً واحداً، فقد تغير اشياء كثيره لاحقاً، وينتهي بك الامر الي اعاده صياغه الواقع بشكل كامل.

هناك البعض ممن يحاولون تعديل عقولهم لتتغلب علي هذه القيود: اذ توجد كافه انواع النظريات التي تشير الي وجود تكوينات لثقوب دوديه متعدده، و"منحنيات مغلقه"، وغيرها من البدائل المعقده.

لكن من المحزن بالنسبه لهؤلاء الذين يرغبون في ان تكون افلامهم مبنيه علي الواقعيه قد يتمثل في احتمال وجود سبب بسيط واحد يجعل جميع هذه المشاكل والمفارقات عصيه علي الحل. هذا السبب هو انها بالفعل عصيه علي الحل. فكثيراً ما نحب فكره تغيير الماضي ومسح اخطائنا- كان تشعر بندم شديد علي شراء معطف عام 2007 علي سبيل المثال- لكن يبدو انه لا شيء، بما في ذلك فكره الثقوب نفسها، يمكن ان يعيدنا الي الماضي.

مع ذلك، ليس السفر باتجاه المستقبل مستحيلا بالضروره. في الحقيقه، يوجد من فعل ذلك. اعظم من قاموا بذلك هو سيرجي كريكاليف، رجل الفضاء الروسي والمسافر عبر الزمن الذي قضي وقتاً طويلاً في الفضاء، واعتبر انه سافر الي مستقبله الشخصي بمعدل جزء من 200 جزء من الثانيه.

صحيح ان ذلك لا يعتبر وقتا كبيرا، لكنه يكفي لان يجعل راسك يدور من الحيره. تتعلق المساله كلها بتمدد الزمن، وهو ما تنبات به نظريه النسبيه لانشتاين ، ولكنه شيء نستطيع قياسه، حيث انه كلما كانت سرعه الانسان اكبر، تكون ساعته ابطا مقارنه بالساعات الموجوده علي سطح الارض.

لكن الامر اشد تعقيداً من ذلك، لان الجاذبيه تتدخل هنا، لكن رائد الفضاء كريكاليف تقدم في العمر بوقت ضئيل اقل مما كان سيتقدمه اذا لم يسافر الي الفضاء. (لقد قضي اكثر من عامين في مدار الارض في سفينه الفضاء مير، وفي محطه الفضاء الدوليه، متحركا بسرعه دوران بلغت 17 الف ميل في الساعه).

كلما زادت السرعه، تصبح الاثار اكثر وضوحاً: فلو ان كريكاليف قضي السنتين اللتين مكثهما في الفضاء مسافراً بسرعه تقل عن سرعه الضوء قليلا (واسرع 40 الف مره من السرعه التي كان يدور بها حول الارض) لعاد الي الارض ليجد انه مر علي الكره الارضيه قرنان من الزمن او اكثر.

من الطبيعي ان يكون من غير المجدي الوصول الي هذه السرعه، وان تكون الرحلات بلا عوده، فنحن نعرف علي الاقل ان ذلك ممكن، علي عكس الغوص في تفاصيل التاريخ. لذا، فبينما تعد الافلام عن السفر عبر الزمن للماضي خيالاً محضاً، تنطوي الافلام التي يسافر فيها الناس الي المستقبل علي جزء يسير من العلم في بحر الخيال المتلاطم الامواج، ومما يجعلك تشعر بالاسي ان عدد هذا النوع من الافلام قليل جداً.

You Might Also Like