09/29 10:03
1. بوفيه مفتوح فى الهواء الطلق
فى بداية التسعينيات كنا نجلس مجموعة من الأصدقاء على رصيف مقهى فى حى الجمالية، وأمامنا يقع حمام شعبى. كل فترة يأتى أحدهم من الشارع الضيق وينسل داخل الحمام بعد يوم العمل الطويل، أو يخرج أحدهم من الحمام بجلبابه الأبيض، وفى حالة انتعاش، كأنه إنسان جديد. كانت هناك مواعيد صباحية للسيدات يأتين فيها، لكن لم نصادفها يومًا، فقد كانت حياتنا تتم وقائعها بالليل فقط. خلف الحمام كانت تقع حارة «المستوقد»، وربما اسم هذه الحارة تكرر كثيرًا فى حى الجمالية ومصر القديمة. «المستوقد» هو المكان الذى تحترق فيه الزبالة ومخلفات المدينة الأخرى، لتسوية قِدرات الفول، وأيضا لتسخين الماء اللازم للحمام الشعبى. فى الفجر كانت تصطف عربات الفول التى تجرها حمير لتأخذ قدرات الفول من «المستوقد» وتوزعها على أحياء القاهرة. من المشاهد التى لا أنساها فى حياتى، هذا الشريان الذى يضخ فجرًا للمدينة النائمة عشرات ومئات من قدرات الفول الطازج المطبوخ على مَهل ومن حوله رجال ساهرون. من المذاقات التى لا تنسى، مذاق أول قطفة من فول «المستوقد» فى الفجر. بداية يوم، تسلل تلك الرائحة للفول المكمور وسط نار شبهها أحدهم بسبائك الذهب الذائب، وملامسة يدك للرغيف الساخن، ولكوب شاى الفجر. تلك المهنة التى يبدأ التحضير لها قبل طلوع الفجر والناس نيام. انتشرت عربات الفول داخل المدينة. كانت أحد الأشكال الجماعية المفتقدة قبل الثورة فى حياة المدينة الصاخبة، يقع فى قلبها طبق الفول الألمنيوم الصغير. تختار العربات أماكنها الاستراتيجية فى المدينة، حيث تجمعات الموظفين، حول الهيئات الحكومية، والمؤسسات الكبيرة، والمبانى الضخمة، وتحت الأشجار، والزوايا التى لا تصل إليها الشمس. أحيانا يرفع صاحب العربة شمسية بحر أو يضع تندة قماش، ليوفر لزبائنه الجو الهانئ الذى يأكلون فيه. هناك أيضا عربات عارية لا ظل يظللها، ولا زاوية مبنى تحميها، وعلى الرغم من هذا تجد العشرات متحلقين حولها. تبدأ العربة رحلتها داخل المدينة، كما كانت رحلة العربة بحمار القديمة، بعد صلاة الفجر مباشرة، وتظل حتى الثانية عشرة ظهرًا على أكثر تقدير. تدخل وتخرج سريعًا، كضيف خفيف، وربما هذا ما يمنحها الجاذبية. وهناك أيضا عربات تحولت إلى محال مقيمة لا تبرح مكانها. انتشرت عربات الفول فى بداية السبعينيات، مع ازدياد حركة المعمار، والعمارات الجديدة، والتى يحتاج العاملون فيها إلى ما يَصلب طولهم. وجبة فى الهواء الطلق، وأحيانا يضع صاحب العربة ترابيزة صغيرة بجانبه، يتزاحم عليها العشرات، أكتافا فى أكتاف، يأكلون على الواقف، أو يلتفون حول العربة وهم يُلقِطون قطع المخلل وحبّات البصل الصغير التى يعرضها صاحب العربة كأنه بوفيه مفتوح بلا قيود. شىء يشعرك وأنت تأكل على العربة، أن كل شىء متاح، المهم أن تشبع، لا المهم أن تدفع. وهى الحكمة التى تلخص «حنية الفول». على العربة تلمع زجاجات الزيت الصفراء ببريق ذهبى كامن عند سقوط أشعة الشمس عليها. يطلقون على الفول الممتاز أن لونه أصفر كالكهرمان. وقديمًا كانوا يسوُون الفول فى قدرات نحاسية صفراء. ويصب على طبق الفول الزيت الحار أو زيت الزيتون، الذى تشعر بأن خيطًا من النور داخل فى مكوناته. شفافية ربانية تتلألأ حول هذا الطبق الألمنيوم الصغير، وتكسبه تألقا فى عيون البسطاء، والجوعى بشكل عام. اللون الأصفر الذى يدور ويتنقل ويطير حول الفول، لون أشعة الشمس المتخيل، لون الذهب، اللون الثمين الذى سيدخل الجنة لأنه لون طعام الفقراء.
هناك عربيات فول تؤدى الغرض، وأخرى أقل تُشد إليها الرحال. من عشر سنوات تعرفت على عربية فول جديدة، التحقتُ بها فى وصلتها المسائية. كان ثمة بنات وشباب (زباين أفرنجى) ينزلون من سياراتهم فى حماس، يأتى أحد العاملين بالعربية بورقة جورنان كبيرة. محييا ومقبِّلا الشاب القائد، مرشد هذه المجموعة، الذى فى الغالب يريد أن يُرى أصدقاءه رأى العين والفمّ أن الرحلة تستحق. يلتقط أحد الشباب صفحات الجريدة (المَفْرَش المؤقت) ويضعها على كبوت السيارة، وتبدأ أطباق الفول والسلطة والبصل والباذنجان وسائر المشهيّات فى النزول على التوالى. المشهيات قديمًا كانت محدودة: سلطة خضرا وبصل وفلفل أخضر، وكان الله بالسر عليمًا، حتى البيض نفسه لم تشهده العربيات الأولى إلا على استحياء.
فول عبد الله الواحاتى لا يُعَلى عليه، الأسطى محمد يأتى على الرائحة. فى أيام الطفولة البعيدة، يلوح عم محمد -كبير السائقين بمدرسة القلب المقدس- بقامته الفارعة بعد أن ينهى رحلة الذهاب إلى أوتوبيس المدرسة، على مقربة من عربية عبد الله، يركن سيارته العالية بعد مناورات، تشعرك بجلال مهمته فى الحياة. طلبه معروف: فول بالزيت الحار فقط، مشهياته معه، يأتى متهاديًا، فى يد بصلة، وفى اليد الأخرى حزمة جرير قد غسلها لتوه، يمشى نافضًا الماء عنها، منشطًا حواسه للقاء العظيم. كان عبد الله يعتبره من الزبائن المُتعِبة، فبعد أن ينهى عم محمد نصف طبقه يطالب بالممنوع: «رشة زيت يا عبد الله لو تسمح يعنى، ما هو المفروض الطبق يبقى مِتموِّن صح من الأول!». يلبى عبد الله نداءه مبتسمًا، ثم يردف: إنت حُمَّى. يشعر عبد الله -كأى بياع شاطر- بمسؤولية تجاه زبائنه المستديمين، لا يتوانى عن تقديم خدماته كما يجب، لكنه يحرص من آن إلى آخر على تذكير أحدهم برزالته، حتى لا تتفاقم.
ظريف تمامًا أن يكون مكان العمل قريبًا من عربية فول محترمة تفتح النفس، ويا حبذا لو جاورتها قهوة على نفس المستوى. إذا تعذر ذلك ستنشق الأرض، لتخرج منها نصبة شاى صغيرة قريبة من الأرض، كراسيها أحجار.
الحاج منصور اللبان أيضا يدلى بدلوه. عم منصور الآن فى آخر محطاته على القهوة التى يزودها باللبن. رغم تقدير المعلم منصور لفول عبد الله، فإنه يبدأ لقمة الصباح كالتالى: يخرج من قسط اللبن الكبير الفارغ المستقر على عجلته طبقا صغيرًا من الألمنيوم، الطبق فى الأصل كان كفة ميزان إلا أن اتجاهها تغير. الطبق مغسول بعناية فائقة، ومع ذلك يضعه تحت الحنفية، ليراجع عليه، ثم يمد الطبق -دون كلام- إلى ابنه الصغير، يمضى الابن إلى عم محمود الشامى (البقال) بالطبق وبقطعة معدنية واحدة. يضع محمود الشامى الطبق فارغًا على الميزان ليسجل وزنه أولا، ثم يصب الطحينة، تتراجع الطحينة وتتقدم إلى أن ينزل المُقنَّن منها. بعدها يضيف عم منصور باكو شطة بالكامل، وباكو كمون، يكمل الابن مشواره إلى عم عبد الله (قول لُهْ حِلو مش حار، قول له لعمك منصور). عم منصور يقضى الفترة التى يتغيب فيها ابنه، وسط الحشود الملتفة حول عبد الله، فى عمل السلطة. المطوة قرن الغزال تمر على الطماطم والخيار والخس والبصل. بوجه مبتهج صابر يعالج هذا كله، وعندما يكتمل الأمر يتراجع قليلا عن الطعام، كأنه ينتظر المدفع، ثم «ياللا يا إخوانَّا.. ياللا يا إخوانا». لن يبدأ إلا بعد أن ينجح فى ضم اثنين أو ثلاثة إلى مائدته.
كنت باشتغل مع والدى فى مستوقد السلطان قلاوون، فى الخمسينيات من وانا طفل، وكان معانا الريس محمد جمعة -الله يرحمه- صاحب المستوقد. كنا نطلع أنا ووالدى نركب العربية بالحمار بتاعة المستوقد ونوزع قِدَر الفول فى الفجر على المطاعم والمحلات. نطلع أربع نقلات، تبتدى من تلاتة ونص صباحًا. نقلة لمحلات ومطاعم السيدة فاطنة النبوية، ونقلة للدراسة عند سيدى الكواكبى، ونقلة للحسينية، وبعدين نخش على الدرب الأحمر. كنا بنوصل لحد شارع عبد العزيز قبل قصر النيل عند مطعم أبو ظريفة.
كل مستوقد كان ليه حمامه الشعبى. كان فيه مستوقد حمام مرجوش، ومستوقد حمام السلطان، ومستوقد حمام الحسينية، ومستوقد المقاصيص فى الجمالية، والعدوى فى الحسين، ومستوقد عند حمام التلات.
المستوقد كان شغال لمؤاخذة بالزبالة. كان فيه عربيات صحة تيجى بالحصنة تلم الزبالة من الشوارع، تعتق فى المستوقد وتمشى. المستوقدات كانت بتشيل حمل عن الشوارع. وبعدين تضرب الزبالة مع نشارة الخشب مع البطاريات المكسرة، مع الكاوتش، تبقى نار لمؤاخذة دايبة زى سبايك الدهب، حمرا. تنزل على القِدَر تسويها. تصبح الصبح تلاقى فولة ماحدش يعرف يعمل زيها النهارده.
كنا نخلص الشغل على أربعة خمسة العصر. نلم بالنهار القِدَر متعبية بالفول الحصى من المحلات، ونجيبها على المستوقد، نملاها مية وننزلها لمؤاخذة فى الجورة، ودى الحتة اللى بنسوى فيها الفول. ونسيبها لتانى يوم تستوى ودواليك. وبعدين نخش نستحمى فى الحمام. طبعا ببلاش. ماحدش كان يقدر يقول لنا تلت التلاتة كام، إحنا اللى بنسخن لهم المية.
نار المستوقد كان ليها صنايعى مخصوص، شغلته إنه يحمى النار فى الجورة طول الليل، يحط الزبالة والنشارة والكاوتش فى الطاقة، ومنها تنزل للجورة. كان الصنايعى من دول ينزّل القِدرَة بشوال، وبرضه يطلعها بشوال الصبح عشان سخنة. كل اتنين يشيلوا القدرة من تقلها. فوق الطاقة كنت تلاقى البراميل اللى بتسخن الميه للحمام.
وزارة الصحة قفلت المستوقدات، قالك عشان الدخان بيطلع ييجى على الناس يعملها مشكلة. بيئة ومش بيئة. المستوقد كان ليه مدخنة بتصرّف الدخان.
كانت فيه أنواع من القِدَر، نحاس وفخار، وبلاليص عشان البليلة. وكان فيه بُوكَش. البوكشة دى قدرة فخار صغيرة بودنين، للبياع اللى على قده. أما القِدَر النحاس الكبيرة كانت بتاعة العتاولة، زى العلافين. إحنا كنا بنودى لمحمد جرادة فى حارة الروم، وحنفى عند السيدة فاطنة النبوية. دول علافين كان ليهم قِدَر نحاس كبيرة محملة، كانوا بيبعوا الفول للناس بتمن رخيص. العلاف زمان كان بيحط بره المحل بتاعه قدرة فول وقدرة بليلة. كنا نديها كوز عدس أصفر فى القدرة عشان الوش مايبقاش أسود. كنت تلاقى الفولة زى الكهرمان تفتح نفسك للأكل. وتصبح الصبح تشرب كوز مية فول، كان مع الزيت الحار حاجة مافيش بعد كده. مية الفول كانت بتغسل لك صدرك، ولا كنت تروح لدكتور ولا بتاع. طالعة طبيعى ربانى. أو تفتح قدرة الفول وهو متكمر، تاخد أول عشرين حباية وشوية زيت، بالدنيا.
4. محمد على.. النسر اللى جوه العلم
والدى كان صاحب مستوقد الخرنفش. كان بيشتغل طول الليل فى المستوقد، ينزّل قِدَر الفول فى الجورة ويرصها. الجورة دى مكان تحت الأرض بتتحرق فيه الزبالة والنشارة والجلد، والذى منه. بتفضل والعة من الفجر لحد العصر، عشان تبقى جاهزة تستقبل قِدَر الفول. بيطلع من الجورة حاجة زى التراب الوالع كده، بنسميها فى الصنعة «استروميل». يقوم والدى ساحب التراب الوالع بالكوريك من قبوة تحت الجورة اسمها بيت النار، ويقوم يغطى بيه قِدَر الفول من قعرها لوشها، لدرجة إنها ماتبنش، كأنها مدفونة بالظبط، وتفضل لحد الفجر والعة.
شكلها بيبقى زى نار جهنم. ساعات كنت بفتح الطاقة وأقعد أتفرج على النار وهى والعة. على الفجر الاستروميل بيطفى لوحده. أبويا كان بيوزع قِدَر الفول على المطاعم والمحلات. دى كانت وظيفة صاحب المستوقد. كان بيروح لمحلات فى العباسية وفى ميدان الجيش وأحمد سعيد. كنا بنخش الأحياء دى على عربية بحمار، وأنا راكب جنبه كنت باحس كأنى ملك راكب والناس ماشية. ماكانش فيه أى كسوف من أى حاجة. كل الناس كانت تعرفنا.
هويت صنعة الفول من صغرى، ولحد وقتنا هذا، وده خلانى أقف على عربية. أنا واخد لمؤاخذة المهنة دى أبا عن جد. بنسوى الفول زى شغل زمان، زى ما كان الفول بيتسوّى فى المستوقد. كل شيخ وليه طريقة. اسأل أى حد على محمد على هنا فى الجمالية، أنا بقى النسر اللى جوه العلم.
ابنى بيساعدنى، بيقلى بطاطس، بيعمل ساندوتشات، بس مش عايزه يحب الصنعة زى ما أنا حبيتها، عايزه يبقى أحسن منى.