01/24 14:10
غرف عتيقة غارقة في العتمة، تنام في الممرات الضيقة، أكلت جدرانها الرطوبة، تشع رائحة الزمن والإهمال والبؤس من جنباتها، أكوام متراصة من لحوم البشر، أنفاسهم تتداخل مع بعضها، تفصل أجسادهم ألواح خشبية وأحجار عتيقة، سلبت منهم أسمى معاني الخصوصية والأمان، صار الحق في العلاج والحفاظ على الصحة مطلبا فى غاية الرفاهية، لكن الأبواب الخشبية «طاقة نور» تحافظ علي كرامتهم وشرفهم بدلا من الستارة القماش، وسط العشش الصغيرة، التي تصف جدرانها حياة الإهانة والذل والمرض والتلوث، تنام المأساة بممرات «كفر الزغاري» في قلب منطقة الحسين بالجمالية.. التفاصيل في سياق الحكايات.
نحو 500 أسرة تستعمر منذ سنوات طويلة «غرف الأوقاف»، التي تتصل ببعضها عبر ممر صغير يمرق بين الجدران الحجرية الهشة، تفصلها أمتار عن مثلث الدراسة والحسين وشارع قصر الشوق، ينتظرون الموت البطيء، إما بالأمراض والأوبئة المنتشرة داخل المكان، أو بسبب اختناق المكان بالبشر رائحة القمامة الكريهة، إذ تحشر أسرة يتراوح عددها من 10 حتى 15 فردا داخل الغرفة الواحدة، يعانون الأمرين بعدما فقدوا التمييز بين مياه المجاري ومياه الشرب المختلطة ببعضها، وأكوام القمامة، فضلا عن دورة مياه واحدة لكل ممر بفتقد أبسط قواعد الخصوصية والأمان.
تكاد المنطقة تخلو من أي وسائل الحياة الآدمية وقد يكون هناك حلم بسيط يتمناه عم رمضان ذو الـ57 عاما - (باب خشبي يغلق عليه ويحمي بناته الشابات من عيون الغرباء، وشباب المنطقة الذين يئسوا وأدمنوا المخدرات)، بدلا من الستائر القماش المرقعة، وتمني أن تنظر الحكومة والبرلمان بعين الرحمة وتعوضهم عن إهمال أطاح بهم على مدار أنظمة متتالية حكمت البلد، وكانت سببا فى عيشتهم بهذا الحال البائس.
«التحرير» عاشت يوما كاملا فى «كفر الزغاري» ورصدت العديد من مشكلات وحكايات الوجع والرجاء في الخلاص.
قتلت والدتها بسبب 47 جنيها
تجولنا داخل الكفر ولكننا لم نستطيع تحديد الممرات لكثرتها وتشابهها فممر يطلعك علي الآخر وهكذا، لكنها تتشابه في مشاهد الفقر والقهر، لكن عزة النفس والكرامة والصبر جميعها عوامل ساعدت الأهالي علي البقاء في هذا المكان.
تحولق البعض حولنا «أنتم صحفيين صح؟ عايزين تعرفو تفاصيل جريمة القتل اللي حصلت، سماح قتلت أمها بسبب 47 جنيها، محدش كان مصدق اللي حصل طول عمرهم في حالهم
ورجعت عاشت مع والدتها الله يرحمها لما زوجها سابها وطفش، جاتلها حالة نفسية وبسبب 47 جنيها قتلت أمها» وتابع الرجل الذي لم يعطنا الفرصة لنسأله عن اسمه، «سمعنا صراخًا وهي بتجري في الشارع وماسكة السكينة وبتصوت وبتقول الحقوني قتلت أمي وفقدت الوعي.. طلبنا الشرطة والإسعاف وقبضو عليها وشالو الجثة ومشيت»، لم يمهلنا الرجل وتركنا وغادر سريعا.
ببيع هدومي علشان أعالج ابني
حادث أثار الجدل في المنطقة، لكنه كان ضمن مشاهد أخرى مأساوية داخل الكفر، رجل طويل ونحيف يحمل ملابس كثيرة فى يده، مرت عليها المكواة بعناية، مطوية في الوهلة الأولي تعتقد أنه قادم من عند المكوجي، لكن الحقيقة مأساة فـ«أبو أدهم» يقف ليعلن بيعه لها، بعد أن ضاق به الحال وباع أثاث منزله ولم يتبق منه سوى الجدران التى لو استطاع بيعها هى الأخرى لفعل، في نظير توفير ثمن علاج ابنه الوحيد، الذى لا يتجاوز الـ8سنوات، ويعاني من زيادة فى كهرباء المخ وأمراض أخرى، فلم يكن أمامه سوي بيع ملابسه بعدما أغلقت جميع الأبواب فى وجهه «ابني الحيلة جاء بعد 5 بنات لكنه مريض».
ويضيف «أبو ادهم» أنه يعمل فى النجارة ولكنه غلق الورشة وباعها بسبب الديون المتراكمة عليه، «ربنا يكفيكم شر المرض والحوجة للناس»، واسترسل بعيون كسرها العوز للناس «حالتي أصبحت تحت الصفر بعد ما كنت سلطان زماني والرزق كان كتير، لكن الحال اتغير وأصبحت عايش علي الصدقات من الغريب والقريب»، وأوضح أنه لجأ لأخوته ليعطفوا علي أبنائه، فمنهم من يعطيه يوميا 10 جنيهات كى يساعدوه بما يستطيعوا أن يفعلوه لأن ظروفهم تكاد تكون صعبة هي الأخرى، ولكن يحاولون مساندته لأنهم يشعرون بما هو فيه من عذاب وألم وحزن، «علاج ابنى يقسم ظهرى لأنه يحتاج لحقنة كل أسبوع تكلفنى 200 جنيه»، وتابع «الآن أنا لا أملك شيئا، وقت الحقن اقترب فماذا أفعل وأنا أرى ابنى يضيع من يدى وأخاف عليه لأن روحى فيه وهو ابنى الوحيد وفرحة عمرى وانتظرته بعد 5 بنات».
الأهالي رغم فقرهم لا تزال لديهم النخوة والهامة لم يتركوا أبو أدهم يواجه مصيبته منفردا وقرروا مساعدته بجمع الملابس التي تزيد على حاجتهم وغسلها وكيها وإعطائها له ليبيعها ويستفاد من ثمنها في علاج ابنه، «ولاد الحلال يُشكروا لمولي هدومهم القديمة عشان أبيعها وأجمع تمن الحقنة خوفا من أن تأتي نوبة الصرع له ويبتلع لسانه».
مشهد استوقفنا من بداية الكفر لطفل يبدو أن عمره 7 سنوات ولكن يبدو عليه علامات غريبة، إذ أن عيناه تختلف ألوانها فعينه اليمنى لونها أزرق والعين الأخري أسود، ويظهر بين شعره الأسود شعر أبيض وكأنه رجل غزاه الشيب، بالإضافة إلى أنه يعلق سماعة في أذنيه، ولكنه لم يسمع منها شيء لأنه يحتاج لإجراء عمليات أخرى.
اقتربت «والدة محمد» وكسر العجز والفقر ظهرها «طفل ذكى لأبعد الحدود، ولكنه يعانى من فقدان حاسة السمع التى اكتشفتها وهو طفل رضيع لديه 4 أشهر» هكذا وصفت مأساتها .
«لم تكن مشكلتي الوحيدة مرض ابني الصغيرولكن هناك كوارث تلاحقنا من صرف صحي مهمل وكهرباء منقطعة دائما، فالصيف والشتاء لنا عناء، فالمنطقة بها جزء يمتلك عداد كهرباء والجزء الآخر، يعتمد على الحنفيات العمومية والوصلات الكهربائية المسروقة، وفي الشتاء نتجمد من البرودة، وإذا قمتم بالتجول داخل المنزل ستشاهدون الجدران البائشة والأرضية ذات الحفر والأسقف الخشبية التى تحوى الحشرات والقوارض والثعابين» الحديث على لسان أم محمد.
وتستكمل: «جميع المباني هنا يزيد عمرها على الـ100 عام، ولهذا السبب نشعر دائما باهتزاز العقار كما لو كان سينهار حالا، ونقوم بالإسراع إلي الشارع خوفا أن ينهار فوق رؤوس أطفالنا»، واستفاضت «منزلنا من دور واحد وسطح ولكن الكارثة في المنزل المجاور لنا حيث إنه يتكون من ثلاثة طوابق دون أعمدة، ومنذ شهر ونصف وقع سور البلكونة علي رأس أحد الأطفال وقتله، «أنا بخاف أنفض التراب من الشقة لأن الحجر بتاع البيت بايش، فما بالك بالبيت ده حالته متدهورة ولو وقع هياخد بيتنا معاه، لأنه لو وقع بيت واحد بتلاقيه بيسمع فى اللى جنبه».
حينما علمت أمينة من جيرانها أن هناك كاميرات ترصد وتصور حال الأهالي بالكفر أسرعت إلينا في انفعال شديد وبصوت عالٍ أصرت علي أن تأخذنا إلي مسكنها، «تعالو هنا شوفوا الناس اللى زينا عايشة إزاى، عايشين عيشة الكلاب والقطط».
نكست السيدة أمينة في رأسها في خجل «لا نعرف شيء عن الخصوصية، فيرانا ويسمعنا الجميع ولا نستطيع أن نخفى علاقتنا الزوجية، أنا وزوجى حيث يسكن معنا بالغرفة 3 عائلات أخويا وزوجته وأبناؤه ووالدى ووالدتى وأخى الصغير وأبناؤه، جميعنا نسمع أنفاس بعضنا البعض ولكن نتجاهل هذا، فماذا سنفعل؟!.
راحت السيدة في الحديث «نحن هنا تحت الأنقاض تزوجت وكنت أعيش مع زوجى فى شقة إيجار جديد نسدد 400 جنيه كل شهر، وبسبب أزمة الإيجارات أصبحت أعانى الأمرين في النقل من عقار لآخر، ولكني عجزت في النهاية علي العيش داخل شقة بباب يغلق علينا وسط الأسعار الباهظة التي تفرم الغلابة مثلنا».
«كما أن زوجي ـ أرزقى ـ ، وتدهور بنا الحال و صحته باتت فى النازل بعد إجراء عملية الغضروف له، أصبح مريضا يلزم الفراش أوقات كثيرة، لم أجد أمامي سوي تقسيم أثاث منزلي عند حماتي وجزء بسيط متهالك فوق السطوح عند والدتى وأعيش معهم هنا، كما ترون وتخيلوا ما لم أستطيع أن أحكيه وأخجل أن أقوله عن ما يحدث آخر الليل».
يجلس علي حجر كبير ويمسك صنبورًا يحاول تصليحه، ويبتسم إلينا لنقترب منه، فيحكي الحاج أبو كامل: أن هذا الممر به 12 غرفة بها أكثر من 18 أسرة تعتمد على صنبورين، بالإضافة إلي أن الحمامات المشتركة التى لا تزيد على نصف متر وعددها لا يزيد على 3 حمامات».
وتابع أبو كامل: «قمنا ببنائها بالجهود الذاتية لحماية نسائنا وبناتنا ولكن يستخدمهم أكثر من 26 أسرة نقف يوميا طوابير لنتسابق على من يلحق دخول الحمام قبل الآخر»، وطالب المسئولون بالرأفة والشعور بالمواطن الفقير سواء بنقلهم من هنا أو تحسين أوضاعهم وأن يستبدل كل مسئول الوضع، ليضع نفسه مكاننا، «تمنينا كثيرا أن يأتى التغيير وترحل حكومة خدعتنا كثيرا وضحكت علينا وتلاعبت ببطوننا في ظل الغلاء الفاحش».
واختتم «المكان ملك وزارة الأوقاف وهناك أشخاص استأجرت الغرف ونحن استأجرنا منهم وندفع إيجارا شهريا 30 جنيها ومن جاء بعدنا يدفع 40 و100 جنيه».
ناديه توفيق، ربة منزل في منتصف الأربعينيات، تكشف وجها آخر للحياة في كفر الزغاري، وتقول إنها كانت تسكن بمنزل بحى البساتين ولكن لضعف المسكن وتدهور حالته انهار العقار ووقع على رؤوس من فيه وخرجت منه دون زوجها الذى توفى وسط أحجار العقار المنهار، ولم تجد وسيلة أخرى سوى أن تذهب لغرفة والدها المتهالكة بكفر الزغاري هى وأبنائها الثلاثة.. «خسرت زوجى وخسرت مسكنى ولم تنظر الى الحكومة لتساندنى على أزمتى وحتى الآن لم أحصل على معاش أو مسكن».
مشهد آخر يُدمي القلوب لفتاة كبيرة تجلس على كرسى خشبي صغير، يبدو أن حواس السمع والنظر ضعيفة لديها، وعندما سألناها عن اسمها لم نستطيع أن نفهم منها شيئا لتخرج علينا والدتها وتقول «ابنتى اسمها نورهان عندها 33 عاما، لديها تأخرعقلى وتعانى من ضمور فى خلايا المخ، بالإضافة إلي شلل وتبول لا إرادى».